ابن كثير
171
البداية والنهاية
إسحاق : وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن [ عبد الله بن ] حصين أنه أتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم : بنو عبد الله فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه ، حتى إنه ليقول : " يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم " فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم . وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم . وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة ، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه . فقال له رجل منهم يقال له : بيحرة بن فراس ( 1 ) : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن تابعناك ( 2 ) على أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الامر من بعدك ؟ قال : " الامر لله يضعه حيث يشاء " . قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ! لا حاجة لنا بأمرك . فأبوا عليه . فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ، ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي ، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلا بلادنا قال : فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟ هل لذناباها من مطلب ( 3 ) ؟ والذي نفس فلان بيده ما تقولها إسماعيلي قط ، وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم ( 4 ) ؟ . وقال موسى بن عقبة عن الزهري : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ، ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول : " لا أكره أحدا منكم على شئ ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك ، ومن كره لم أكرهه ، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي ، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء " . فلم يقبله أحد منهم ، وما يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال : قوم الرجل أعلم به ، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه ؟ ! وكان ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به ( 5 ) . وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الله بن الأجلح ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن
--> ( 1 ) بيحرة بن فراس : بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة . قاله ابن هشام . وفي الأصل بحيرة . ( 2 ) في ابن هشام : بايعناك . ( 3 ) مثل يضرب لما فات وأصله ذنابي الطير إذا أفلت من الحبالة فطلبت الاخذ به . ( 4 ) الخبر في سيرة ابن هشام : ج 2 / 65 - 66 . ( 5 ) الخبر في دلائل البيهقي ج 2 / 414 .